الصالحي الشامي

204

سبل الهدى والرشاد

وقال الحافظ رحمه الله تعالى : فإن قيل : إذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي ، فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهدها الآن يرمي بها ؟ . فالجواب : يؤخذ من حديث الزهري المتقدم ، ففيه عند مسلم قالوا : كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنها لا ترمي لموت أحد ولا حياته . ولكن ربنا إذا قضى أمرا أخبر أهل السماوات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون به إلى أوليائهم ( 1 ) . فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى الملائكة ، وأن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم من استراق السمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف بما بعده ؟ وقد قال عمر لغيلان لما طلق نساءه : إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق من السمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث . رواه عبد الرزاق وغيره . فهذا ظاهر في أن استراقهم للسمع استمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يقصدون استماع الشئ مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن يخطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب فإن ( 2 ) أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه مات وإلا سمعوها وتداولوها . الرابع : هل كانت الشياطين تقذف بالشهب قبل المبعث أم حدث القذف بها بعده ؟ . اختلف العلماء رضي الله تعالى عنهم في ذلك على قولين : نقل أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره عن الأكثرين الأول . وبه جزم السهيلي والشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى في أماليه وتلميذه الشيخ أبو شامة في شرح الشقراطيسية وغيرهم وصححه غير واحد واحتجوا بقوله تعالى : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب ) [ الصافات 6 : 8 ] وبقوله تبارك وتعالى : ( وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استراق السمع فأتبعه شهاب مبين ) [ الحجر 17 ، 18 ] . قال الزركشي في شرح البردة : فهذه الآيات تدل على وجود الرجم قبل المبعث ، لأنها خلقت لذلك : وكذا قوله تعالى ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ) [ الجن 8 ] وهذا إخبار عن الجن أنه كان الرجم موجودا لكنه ليس يستأصل وأنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت .

--> ( 1 ) ذكره المتقي الهندي في الكنز ( 17674 ) . وابن الجوزي في زاد المسير 4 / 389 . ( 2 ) في أفإذا .